حدث الآن
  • الاحتلال يفرج عن الشاعرة الأسيرة دارين طاطور بعد 5 شهور من الاعتقال
  • قوات الاحتلال تعتقل شاباً من البلدة القديمة في الخليل.
  • مخابرات الاحتلال تحوَل الأسير منتصر الأطرش من بلدة الدوحة قضاء بيت لحم للاعتقال الإداري لمدة 6 شهور.
  • مخابرات الاحتلال تحوَل الباحث في مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان ورعاية الأسير أيمن كراجة من بلدة صفا قضاء رام الله للاعتقال الإداري لمدة 6 شهور.
  • قوات الاحتلال تعتدي على طالب خلال احتجازه على مدخل جامعة العروب شمال الخليل
  • قوات الاحتلال تعتقل الشاب بسام الخطيب من المسجد الأقصى المبارك
  • قوات الاحتلال تعتقل الفتاة رانيا وجيه محمود دويك على حاجز "الكونتينر" شمال شرق بيت لحم
  • قوات الاحتلال تعتقل الفتاة رانيا وجيه محمود دويك على حاجز "الكونتينر" شمال شرق بيت لحم
  • قوات الاحتلال تعتقل الموظفين بشركة الكهرباء رامي الفاخوري وحمزة زغير من داخل مقر الشركة في البلدة القديمة بالقدس المحتلة
  • محكمة الاحتلال العسكرية في "عوفر" تحكم على الأسير محمد أحمد الشيخ من بلدة بيت فجار قضاء بيت لحم بالسجن لمدة 3 سنوات و8 شهور ودفع غرامة مالية بقيمة 5 الاف شاقل
السبت : 24/06/2017 12:38
عدد المشاهدات 2172

"عجقة" في معتقل "عوفر" !

أنين القيد - الصحفي أحمد البيتاوي

في مثل هذه الأيام من العام الماضي، عايشت الأجواء التي كانت تسبق عيد الفطر وما بعده، كنا نحاول خلق أجواء خاصة بهذه المناسبة التي من المفترض أن تكون سعيدة، وعمل طقوس مختلفة تميزه عن روتين بقية الأيام القاتل، فبالرغم من قلة الامكانيات المتاحة والقيود التي تفرضها إدارة المعتقلات، الا أننا كان نصر على انتزاع الفرحة وسرقة البسمة رغم السجان وتصرفاته المنغصة (الفرحة كانت ناقصة غير طبيعية بكل تأكيد).

 

كنا نستبق العيد بيومين أو ثلاثة بتجهيز الحلويات، ويتكفل المطبخ المركزي عادة بإعداد المعمول والكلاج والهريسة والبقلاوة وغيرها من الأصناف، في حين كانت تقوم كل غرفة بعمل أصناف خاصة بها إن حبت الاستزادة وكان رصيدها المالي في الكانتينا جيداً.

 

ويمكنك بسهولة أن تشم الروائح الطيبة الزاكية المنبعثة من القسم، ونظراً لعدم وجود أفران الغاز، كان الطباخون الاسرى يضظرون لاستخدام "البلاطة" بعد قلبها وتعليقها من طرف عصا "القشاطة" وتثبيتها بنافذة الغرفة، وتدليتها على "الصينية" وتقريبها من الجهة المراد تحميرها.. كان الأسرى عموماً يعتقدون أن كل شخص من نابلس يتقن عمل الحلويات ويستغربون حال ثبت لهم العكس، ولطالما كنت أسمع عبارة :"من نابلس وما بتعرف تعمل حلويات.. غريب ! ! !".

 

كنا ننشغل كما هو الحال خارج المعتقل بتنظيف الغرف والنوافذ والحمامات وترتيب الابراش وساحة الفورا، كان الماء يخرج من اسفل باب كل غرفة كأنه نهر جاري، التنظيف هذا كان مصحوبا بصيحات "المرداونية" الداعية للاستعجال وإنهاء المهمة بأقصر وقت ممكن، في حين كانت تشهد المحلقة "صالون القسم" اكتظاظاً وازدحاماً وحجزا للدور وتجاوزاً له أحياناً.

 

فيما يقوم الاسرى بتجهيز ملابسهم وتفقدها، ولا عجب أن ترى عند أحدنا المتقن للخياطة عدة "بلاطين" و"بلايز" بحاجة لتقصير أو تخصير أو رقع، وفي حال علم الاسرى بوجود من يتقن فنون الكوي سارعوا بإرسال ملابسهم إليه، كان تبادل الملابس بيننا أمراَ اعتيادياً ومشهداً مألوفاً، كان المعتقلون يستقرضون من بعضهم، ويجود القدامى منهم ويقدمون الفائض عن جاتهم لزملائهم الجدد القادمين لتوهم من التحقيق.

 

في صبيحة يوم العيد كنا نظل مستيقظين من بعد صلاة الفجر، وما إن تفتح الإدارة أبواب الغرف، حتى يهرع الاسرى ويهرولون كأنهم جراد منتشر إلى "الدشات" طمعا بحمام دافئ سريع، ومن لم يحالفه الحظ ويفشل في السباق كان يطلب من غيره "حجز الدور"، ومن لم ينجح في هذه أو تلك كان يضطر للاستحمام داخل الغرفة، الحمام في الغرفة ليس بالامر السهل وهو بمثابة "شر لا بد منه"، فهو يحتاج لتسخين الماء من "القمقم" عدة مرات وسكبها بالسطل، ونظراً لصغر الحمام تكون الحركة محدودة، عدا عن خطر التزحلق بسبب الدرجة الداخلية والأرضية "الملسة"، وكثيراً ما كان يقع الاسرى خاصة الجدد ويصابون بكدمات وجروح بسيطة.

 

بعدها تبدأ مرحلة التمشيط والتعطر ووضع الطيب، وهذا الصنف الأخير لا يكون الا بحوزة الاسرى القدامى، والعطر هذا له حكاية، فهو في الغالب يكون مهرباً من خارج السجن خلال زيارة الأهل بعد نقعه في "جراب" جديد حتى يشرب العطر كله بشكل كامل، ومن ثم يقوم الاسرى بوضعه داخل زجاجة فارغة ويضيفون عليه معقم الجروح الشفاف "السبيرتو" المأخوذ خلسة من عياة السجن، ومن ثم توضع المادة الناتجة عن خلط الجراب مع "السبيرتو" في علبة "قطرة عيون فارغة"، للتحول بعدها إلى عطر فرنسي فاخر.

 

قبل الصلاة بنصف ساعة أو يزيد تسمع أصوات تكبيرات العيد مصحوبة بالطواف داخل الساحة بشكل دائري، الطواف هنا أجباري فهو الوسيلة الوحيدة للتغلب على صغر المساحة، أما التكبيرات فكان بعضنا يفضل تردادها مختصرة مكتفياً بمطلعها الأول، وبعضنا كان يحبذها كاملة لنهايتها، وذلك تبعا لمنطقة سكنه والطريقة التي اعتاد عليها، وإجمالا كان أهل الشمال يفضلونها كاملة، على عكس سكان المحافظات الجنوبية.

 

وما إن يعتلي الخطيب منبره (الاعتلاء هنا وقوف فقط مرتكز على كرسي أمامه)، حتى تبدو وجوه الاسرى حزينة شاحبة وعقولهم سارحة وأذهانهم مشوشة، كان بإمكانك أن ترى الحزن بعيونهم ونظراتهم، بكل تأكيد هم يتخيلون أنفسهم خارج الاسوار بين أهليهم، وكل واحد فيهم يستعيد شريطة ذكرياته، عن المكان الذي كان يصلي فيه العيد،.ويحاول الخطيب هنا رفع الهمم والمعنويات وتذكير الأسرى بالنعيم الآخروي وغاية اعتقالهم وسمو مبادئهم.

 

بعد الصلاة كنا نصطف على شكل طابور ونبدأ بالسلام على بعضنا عناقاً وتبادلا للقبلات ونصبح بهدها بحاجة لحمام جديد، وفي هذه الاثناء يسامح الاسرى بعضهم، وتصفى قلوب المتشاحنين والمتغاصمين ويطيب خاطرهم، بعد ذلك كنا نشرع بأداء بعض الأناشيد والأهازيج الشعبية، وهنا غالباً ما تتدخل إدارة المعتقل فتمنعنا حتى من رفع الصوت والتصفيق والدبكة.

 

بعدها كنا نتناول الحلويات والعصائر والفواكهة المختلفة إضافة الى سندويشات خفيفة، مصحوبة بقليل من المزاح، بعدها كانت تبدأ فقرة زيارة معرض الصور، صور أبناء الاسرى وأقاربهم، كانت تثبت على طاولة التنس بلاصق جروح تم سرقته من عيادة السجن، مع دفتر صغير لكتابة التعليقات والملاحظات، كانت فكاهية في أغلبها.

 

وفي هذا اليوم تتناسى الفصائل خلافتها وتضعها جانباً ولو بشكل مؤقت، ويتزاور ممثلو هذه الاحزاب فيما بينهم داخل الاقسام المتعددة ويقدمون التهاني لبعهضم البعض في مشهد وحدوي –استثنائي-، وخلال العيد تنظم اللجنة الرياضية دوريات ومسابقات في كرة الطائرة والتنس والشطرنج وتمنح الفائزين جوائز مالية تصرف على شكل "شيك" أو "كوبون" من الكانتيا.

 

أجواء العيد هذه قصيرة تنتهي قبل صلاة الظهر بساعتين تقريباً، ولا يتبقى منها سوا مشاهدة المسرحيات على التلفاز، كلها مكررة معادة بطلها عادل إمام: شاهد مشفش حاجة.. الزعيم.. الود سيد الشغال.

 

وتعتبر الأعياد من من أصعب الايام التي كنا نمر بها، خاصة نحن معشر المتزوجين، فالبعد عن الاهل في هذه اللحظات تبدو تجربة قاسية مريرة، بعضنا كان يعيشها للمرة الاولى في حياته، وبعضنا للمرة الثلاثين !!!

الصور